ما الحلم الواعي؟ تعريفه وعلامته في الدماغ ومدى شيوعه
الحلم الواعي حلمٌ تُدرك في أثنائه، وهو لا يزال جاريًا، أنك تحلم. وهو ليس مجرد إحساسٍ شخصي عابر، بل حالة وعيٍ أثبتتها مختبرات النوم موضوعيًا منذ مطلع الثمانينيات عبر إشاراتٍ بحركة العين. في هذه المقالة نوضّح ما هو الحلم الواعي بالضبط، ومتى يحدث، ومدى شيوعه بين الناس، وهل يمكن تعلّمه، وما الذي يميّز الدماغ في تلك اللحظة.
Last scientific review ·
تخيّل أنك في وسط حلم، ثم يخطر لك فجأةً أن ما تراه ليس واقعًا بل حلمٌ تعيشه الآن. هذه اللحظة من الوعي الذاتي، وأنت ما زلت نائمًا، هي جوهر ما يسمّيه الباحثون الحلم الواعي. فالأمر لا يقتصر على أن تتذكّر حلمك بوضوح بعد الاستيقاظ، بل أن تعلم وأنت داخله أنك تحلم. وقد بدا هذا الادعاء طويلًا أقرب إلى الخرافة منه إلى العلم، إلى أن وجد الباحثون طريقةً بارعة لإثباته داخل المختبر، فانتقل الحلم الواعي من باب الحكايات الشخصية إلى ميدان الدراسة المنهجية.
ما الحلم الواعي بالضبط؟
الحلم الواعي، في أبسط تعريفاته، حلمٌ يدرك فيه النائم أنه يحلم، في اللحظة عينها التي يجري فيها الحلم، لا بعد أن يفيق. وقد تتفاوت درجات هذا الوعي تفاوتًا واسعًا: فقد يكون مجرد ومضةٍ خاطفة تتلاشى سريعًا، وقد يبلغ حدًّا يستطيع معه الحالم أن يفكّر بوضوح، بل أن يوجّه مجرى الحلم بإرادته. والملمح الفاصل الذي يحدّد الظاهرة ليس التحكّم في الحلم، بل هذا الإدراك بالذات: أن تعرف، وأنت في عمق المنام، أن ما يحيط بك ليس سوى نتاج عقلك.
والسؤال الذي طالما حيّر الباحثين هو: كيف نتحقّق من أمرٍ خاصٍّ بصاحبه وحده إلى هذا الحدّ؟ فحين يستيقظ المرء ليصف حلمه، يكون قد استحال إلى ذكرى أعاد العقل تشكيلها. غير أن مفتاح الحلّ جاء من ملاحظةٍ بسيطة: العينان تظلّان حرّتي الحركة في أثناء نوم حركة العين السريعة، رغم أن سائر الجسد يكون مشلولًا. فلو اتّفق الحالم سلفًا على أداء حركة عينٍ بعينها لحظة بلوغه الوعي، لظهرت تلك الإشارة على أجهزة التسجيل وهو نائمٌ على نحوٍ مؤكَّد. وهذا تحديدًا ما حقّقه ستيفن لابرج وزملاؤه في دراسةٍ محكَّمة نُشرت عام 1981، فكان أول دليلٍ موضوعي على أن النائم قد يكون واعيًا داخل حلمه.
- نوم حركة العين السريعة (REM)
- إحدى مراحل النوم تتحرّك فيها العينان حركاتٍ سريعة تحت الجفنين، ويقترب فيها نشاط الدماغ من حالة اليقظة، بينما تسترخي عضلات الجسد إلى حدّ الشلل المؤقّت. وهي المرحلة التي تأتي منها في الأعمّ الأغلب الأحلام الأوضح والأكثر حيوية، ومنها أيضًا تنطلق أغلب نوبات الوعي بالحلم.
متى يحدث الحلم الواعي؟
تنشأ الأحلام الواعية في الغالب الأعمّ في أثناء نوم حركة العين السريعة، وهي المرحلة التي يبلغ فيها نشاط الدماغ أقرب صوره إلى اليقظة، وتتدفّق فيها الأحلام الزاخرة بالتفاصيل. ولهذا منطقه: فإذا كان العقل أصلًا في حالةٍ شبيهة باليقظة، صار أيسر عليه أن يلتفت إلى ذاته ويدرك طبيعة ما يعيشه. ولأن نوبات هذه المرحلة تطول وتتكاثف مع اقتراب الصباح، فإن الأحلام الواعية كثيرًا ما تأتي في ساعات النوم الأخيرة، قُبيل اليقظة.
ما مدى شيوع الحلم الواعي؟
قد يظنّ كثيرون أن الحلم الواعي تجربةٌ نادرة لا يبلغها إلا قلّة. والحقيقة أنه أكثر شيوعًا مما يُتصوَّر. فقد جمعت دراسةٌ تحليلية شاملة نتائج عشرات المسوح المنتشرة على مدى خمسين عامًا، فخلصت إلى أن نحو خمسةٍ وخمسين في المئة من الناس قد عاشوا حلمًا واعيًا واحدًا على الأقلّ في حياتهم، وأن قرابة ثلاثةٍ وعشرين في المئة منهم يعيشونه شهريًا أو أكثر. أي أن أكثر من نصف الناس قد ذاقوا هذه التجربة ولو مرّة، وأن واحدًا من كل أربعةٍ تقريبًا يألفها على نحوٍ منتظم. وتظلّ هذه الأرقام تقديريةً بطبيعتها، إذ تعتمد على ما يرويه الناس عن أنفسهم، وهو ما يحمل دائمًا قدرًا من عدم اليقين.
ما نعرفه
- الحلم الواعي حالةٌ مثبَتة موضوعيًا: فقد بعث حالمون مدرَّبون، من داخل نوم حركة العين السريعة المؤكَّد، إشارةً تفيد بأنهم يعلمون أنهم يحلمون.
- تأتي الأحلام الواعية غالبًا في أثناء نوم حركة العين السريعة، حيث يقترب نشاط الدماغ من اليقظة وتشتدّ حيوية الأحلام.
- التجربة أوسع انتشارًا مما يُظنّ: فأكثر من نصف الناس عاشوها مرّةً على الأقلّ، ونحو الربع يعيشونها شهريًا أو أكثر.
هل يمكن تعلّم الحلم الواعي؟
نعم، يمكن للحلم الواعي أن يُكتسب بالتدريب إلى حدٍّ ما. فقد راجع الباحثون طائفةً من أساليب الاستحثاث، فوجدوا أن عددًا منها يرفع تواتر الأحلام الواعية فوق مستواه الطبيعي. ومن أشهرها مداومة «اختبارات الواقع» في أثناء النهار، أي أن يسأل المرء نفسه مرارًا «هل أنا أحلم الآن؟»، حتى تنتقل هذه العادة إلى داخل أحلامه؛ وكذلك أساليب تعتمد على عقد النيّة وترسيخ التذكّر قبيل النوم. غير أن نتائج هذه الأساليب تظلّ متباينةً ومتواضعة: فما ينجح مع شخصٍ قد يخفق مع آخر، ولا يوجد حتى الآن أسلوبٌ واحد يُعوَّل عليه لدى الجميع. فالأمر أشبه بمهارةٍ تُصقل بالمران والصبر، لا بمفتاحٍ سحري يفتح الباب دفعةً واحدة.
ماذا يحدث في الدماغ لحظة الوعي؟
حين تمكّن الباحثون من تحديد لحظة الوعي بالحلم زمنيًا على نحوٍ دقيق، صار في وسعهم أن يسألوا: ما الذي يتبدّل في الدماغ آنذاك؟ تبيّن أن نوم حركة العين السريعة الواعي يبدو حالةً هجينة، فلا هو يقظةٌ كاملة ولا هو نومٌ معتاد. فقد رصدت أورسولا فوس وزملاؤها عام 2009 ازديادًا في النشاط الكهربائي السريع ضمن نطاق غاما، عند نحو أربعين هرتزًا، فوق المناطق الأمامية من الدماغ، وهي مناطق ترتبط بالتفكير التأملي والوعي بالذات. وكأن جزءًا من العقل «يستيقظ» داخل الحلم بينما يظلّ النائم نائمًا. وهذه الصورة لا تزال أوّليةً تستند إلى عيّناتٍ صغيرة، لكنها تتّسق مع الإحساس الذي يصفه الحالمون أنفسهم: صفاءٌ ذهني مفاجئ في قلب المنام.
ما لا نعرفه
- ما الذي يطلق فعلًا شرارة الوعي داخل نوبةٍ من نوم حركة العين السريعة، على مستوى نشاط الدماغ، لا يزال غير مفهوم تمامًا.
- صورة التصوير العصبي تستند إلى عيّناتٍ بالغة الصغر، وتحتاج إلى إعادة إنتاجٍ أوسع وأقوى إحصائيًا.
- لا يوجد بعدُ أسلوبُ تدريبٍ واحد يثبت نجاحه لدى جميع الناس على نحوٍ موثوق.
- أرقام الشيوع تقديرية تعتمد على روايات الناس عن أنفسهم، وقد تتأثر بطريقة طرح الأسئلة وفهم الناس لمعنى «الحلم الواعي».
ما الفرق بين الحلم الواعي والحلم العادي الذي أتذكّره بوضوح؟
الفارق الجوهري هو لحظة الإدراك. ففي الحلم العادي تنخرط في الأحداث وكأنها واقع، حتى لو تذكّرته بدقّةٍ بعد الاستيقاظ. أما في الحلم الواعي فأنت تعلم وأنت داخله أنك تحلم، فينفتح لك بابُ التفكير الواعي، بل أحيانًا التحكّم في مجرى الحلم.
هل الحلم الواعي مثبَت علميًا؟
نعم. فمنذ عام 1981 تحقّقت دراساتٌ مخبرية مضبوطة من وجوده، إذ حملت حالمين مدرَّبين على الإشارة إلى وعيهم بحركات عينٍ متّفقٍ عليها سلفًا في أثناء نوم حركة العين السريعة المؤكَّد. وقد أُعيد اعتماد هذه الطريقة في مختبرات كثيرة.
هل يستطيع أيُّ شخصٍ أن يحلم حلمًا واعيًا؟
يبدو أن القابلية واسعة الانتشار: فأكثر من نصف الناس عاشوا التجربة مرّةً على الأقلّ. ومع التدريب المنتظم، مثل تدوين الأحلام واختبارات الواقع، يستطيع كثيرون رفع تواترها، وإن كانت سهولة بلوغها تتفاوت من شخصٍ إلى آخر.
هل يحدث الحلم الواعي في أي مرحلة من النوم؟
في الأغلب الأعمّ يحدث في أثناء نوم حركة العين السريعة، حيث يقترب نشاط الدماغ من اليقظة وتشتدّ حيوية الأحلام. ولأن نوبات هذه المرحلة تطول قرب الصباح، فإن الأحلام الواعية كثيرًا ما تأتي في ساعات النوم الأخيرة.